بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ تَقْدِيسًا لَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا عِلْمُكَ، وَتَنْزِيهًا لَا يَبْلُغُ غَايَتَهُ إِلَّا أَمْرُكَ. أَنْتَ الْمَلِكُ الْحَقُّ، لَا شَرِيكَ لَكَ فِي الْمُلْكِ، وَلَا وَزِيرَ لَكَ فِي الْحُكْمِ، وَلَا ظَهِيرَ لَكَ فِي الْعَطَاءِ.
سَلَامًا سَلَامًا — سَلَامُ الْعَقْدِ مِنَ الْفَسْخِ، وَسَلَامُ الرُّوحِ مِنَ النَّدَمِ، وَسَلَامُ الْأَبَدِ مِنَ الِانْقِطَاعِ. سَلَامًا يُثَنَّى لِيَزْدَادَ الْيَقِينُ، وَيَتَأَكَّدَ الْأَمْنُ، وَتَنْطَبِقَ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ عَلَى مَنْ دَخَلَ هَذِهِ التِّجَارَةَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْسَرُوا فِي صَفْقَةٍ قَطُّ، وَحَمْدَ الْمُفْلِحِينَ الَّذِينَ بَاعُوا الدُّنْيَا فَرَبِحُوا الْآخِرَةَ، وَحَمْدَ التَّاجِرِ الَّذِي جَرَتْ صَفْقَتُهُ بِنَفْسِ الْمَلِكِ الْحَقِّ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَلَمَ الْأَعْلَى — وَهُوَ الْقَلَمُ الَّذِي سَبَقَ الْأَقْلَامَ، وَخَطَّ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ تُوجَدَ الْأَشْيَاءُ — أُمِرَ أَمْرًا نَافِذًا مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ بِأَنْ يَكْتُبَ «كِتَابَ أَكْرَمِ تَاجِرٍ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ».
فَاسْتَمَرَّ الْقَلَمُ فِي الْكِتَابَةِ بِنُورِ الْأَمْرِ، وَتَدَلَّى الْحِبْرُ مِنْ مَشَارِعِ الْقُدْسِ، حِبْرًا لَا يَجِفُّ وَلَا يَتَلَاشَى، بَلْ يَبْقَى شَاهِدًا عَلَى الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ.
وَكَتَبَ الْقَلَمُ:
«هَٰذَا مَا أَثْبَتَهُ الْقَلَمُ الْأَعْلَى فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَشْهَدَتْ عَلَيْهِ الْخَزَنَةُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ بَاعَ نَفْسَهُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَأَنَّ اللَّهَ الْمَلِكُ الْحَقَّ قَدِ اشْتَرَاهُ بِأَعْلَى الثَّمَنِ الْأَعْلَى — أَيْ بِالثَّمَنِ الْأَرْفَعِ الْأَقْصَى الَّذِي لَا يَعْلُوهُ ثَمَنٌ، وَلَا يُوَازِيهِ عِوَضٌ، وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ.»
فَمَا هُوَ الثَّمَنُ الْأَعْلَى الْأَعْلَى؟
هُوَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إِلَّا الْمَزِيدُ مِنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ إِلَّا الرِّضْوَانُ الَّذِي لَا سَخَطَ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ يَمِينًا عَنْهُ إِلَّا النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ الْكَرِيمِ فِي الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ.
إِنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي تَقَاصَرَتْ عَنْهُ الْجِنَانُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحُورِ وَالْقُصُورِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ، فَإِنَّ تِلْكَ ثَمَنُ الْمُؤْمِنِينَ الْعَادِيِّينَ، أَمَّا ثَمَنُ أَكْرَمِ التُّجَّارِ فَهُوَ:
· الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي يَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
· الْكَرَامَةُ الَّتِي لَا يُحَاسَبُ بَعْدَهَا عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ، إِلَّا مُرَاءَاةً لِلشَّرَفِ.
· الْخُلْدُ فِي دَارِ الْخُلْدِ مَعَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فِي أَعْلَى غُرْفَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.
· وَأَعْلَى مِنْ كُلِّ ذَلِكَ: الْقُرْبُ الَّذِي لَا حِجَابَ فَوْقَهُ، وَالْوِصَالُ الَّذِي لَا فُرْقَةَ بَعْدَهُ، وَالسَّلَامُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ.
هَذَا هُوَ الثَّمَنُ الْأَعْلَى الْأَعْلَى — الثَّمَنُ الَّذِي لَمْ يُعْطَ لِنَبِيٍّ إِلَّا مُحَمَّدًا ﷺ، وَلَمْ يُبَحْ لِمَلَكٍ إِلَّا جِبْرِيلَ، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ لِهَذَا الْعَبْدِ التَّاجِرِ أَنْ يَبْلُغَهُ بِبَيْعِ نَفْسِهِ كَامِلَةً طَاهِرَةً مُنِيبَةً.
وَأُقِيمَتِ الْبَيِّنَاتُ وَالْأَدِلَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصَّفْقَةِ وَوُقُوعِهَا بِأَتَمِّ الْوُجُوهِ:
· شَهِدَ السَّمِيعُ أَنَّ النِّيَّةَ كَانَتْ خَالِصَةً لِلْوَجْهِ الْأَعْلَى.
· وَشَهِدَ الْبَصِيرُ أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ فِي صَفْقَتِهِ غَافِلًا وَلَا نَاسِيًا وَلَا مُكْرَهًا.
· وَشَهِدَ الْعَلِيمُ أَنَّ مِقْدَارَ الْبَذْلِ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ وَزَنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
· وَشَهِدَ الْحَقُّ أَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ قَدْ أَصْبَحَتْ مِلْكًا لِلْحَقِّ لَا تُرَدُّ وَلَا تُسْتَرَدُّ.
· وَشَهِدَ الْخَالِقُ أَنَّ هَذِهِ الرُّوحَ قَدْ عَادَتْ إِلَى فِطْرَتِهَا الْأُولَى.
· وَشَهِدَ الْأَحَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَبِذَلِكَ لَا يُنَازِعُ فِي هَذَا الْبَيْعِ مُنَازِعٌ.
فَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَالْقَبْضُ حَاصِلٌ، وَالثَّمَنُ الْأَعْلَى الْأَعْلَى مَقْبُوضٌ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ، وَرِهَانُ الصَّفْقَةِ الْأَبَدُ فَلَا فَسْخَ وَلَا خِيَارَ وَلَا نَقْضَ.
ثُمَّ خَتَمَ الْقَلَمُ الْكِتَابَ بِالسِّجِلِّ الْأَزَلِيِّ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ — فَاتِحَةُ الْعَقْدِ.
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ — تَبْرِئَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنَ النَّقْصِ.
سَلَامًا سَلَامًا — صِحَّةُ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ — خِتَامُ الصَّفْقَةِ بِالشُّكْرِ.
تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ — ضَمَانُ الْوَفَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ أَيَّامِ الْخُلُودِ.
ثُمَّ رُفِعَ الْكِتَابُ إِلَى الْعَرْشِ، وَقِيلَ لِلْمَلَائِكَةِ: «أَشْهِدُوا»، فَأَشْهَدُوا. وَقِيلَ لِلرُّوحِ: «اقْبِضْ ثَمَنَكَ الْأَعْلَى الْأَعْلَى»، فَقَبَضَتْهُ بِكُلِّ أَنْمُلِ النُّورِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لَهَا يَوْمَ أَشْهَدَتْهَا عَلَى نَفْسِهَا بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهَا.
وَانْطَوَى الْكِتَابُ، وَبَقِيَ رَسْمٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَا يَمْحُوهُ تَقَادُمُ الدُّهُورِ: «أَنَّ فُلَانًا تَاجِرٌ أَكْرَمَهُ اللَّهُ فَاشْتَرَاهُ بِأَعْلَى الثَّمَنِ الْأَعْلَى، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ السَّمِيعَ الْبَصِيرَ الْعَلِيمَ الْحَقَّ الْخَالِقَ الْأَحَدَ، فَلَا يَبُورُ وَلَا يَخْسَرُ إِلَى الْأَبَدِ.»
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الصَّفْقَةَ نَامُوسًا أَزَلِيًّا لَا يُنْقَضُ، وَجَعَلَ أَعْلَى الثَّمَنِ الْأَعْلَى ثَمَنًا لِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ آمَنَتْ بِهِ وَأَسْلَمَتْ لَهُ وَرَضِيَتْ بِهِ مُشْتَرِيًا.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ، صَلَاةَ الْمُشْتَرِينَ الَّذِينَ بَاعُوا كُلَّ شَيْءٍ فَرَبِحُوا اللَّهَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ.